الشنقيطي

115

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [ آل عمران : 154 ] لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخر غير مذكور في الآية ، وهو ما سبق في علم اللّه من أن بروزهم إليها لا محالة واقع ، وليس سببه كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الآية . وكذلك قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ [ الكهف : 109 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي : مقدم الشرطية المتصلة * مهما تكن صحبة ذاك التال له لموجب قد اقتضاها كسبب * فهي اللزومية ثم إن ذهب موجب الاصطحاب ذا بينهما * فالاتفاقية عند العلما ومثال الشرطية المتصلة اللزومية قولك : كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا ، لظهور التلازم بين الطرفين ، ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية دون التلازم من الطرفين ، كقولك : كلما كان الشيء إنسانا كان حيوانا ، إذ لا يصدق عكسه . فلو قلت : كلما كان الشيء حيوانا كان إنسانا لم يصدق ، لأن اللزوم في أحد الطرفين لا يقتضي الملازمة في كليهما ، ومطلق اللزوم تكون به الشرطية لزومية ، أما إذا عدم اللزوم من أصله بين طرفيها فهي اتفاقية . ومثالها : كلمة كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا . وبسبب عدم التنبه للفرق بين الشرطية اللزومية ، والشرطية الاتفاقية - ارتبك خلق كثير من النحويين والبلاغيين في الكلام على معنى « لو » لأنهم أرادوا أن يجمعوا في المعنى بين قولك : لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودا . وبين قولك : لو لم يخف اللّه لم يعصه ، مع أن الشرط سبب في الجزاء في الأول ، لأنها شرطية لزومية ، ولا ربط بينهما في الثاني لأنها شرطية اتفاقية . ولا شك أن من أراد أن يجمع بين المفترتين ارتبك ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [ 58 ] آية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه غفور ، أي كثير المغفرة ، وأنه ذو الرحمة يرحم عباده المؤمنين يوم القيامة ، ويرحم الخلائق في الدنيا . وبين في مواضع آخر : أن هذه المغفرة شاملة لجميع الذنوب بمشيئته جل وعلا إلا الشرك ؛ كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] ، وقوله : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [ المائدة : 72 ] . وبين في موضع آخر : أن رحمته واسعة ، وأنه سيكتبها للمتقين ؛ وهو قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ الأعراف : 156 ]